الشيخ محمد رشيد رضا
31
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لبسه العار الذي أشار إليه الشاعر بقوله : لا تنه عن خلق وتأتى مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم وليس مراد الشاعر نهى المتخلق بالخلق السىء أن يأمر بمثله ، بل مراده أنه يجب عليه الجمع بين النهى والانتهاء . ومما قاله الغزالي في الأحياء : إنه يجب على من يزنى بامرأة أن يأمرها بستر بدنها ، أو قال : وجهها ، وإلا كان مرتكبا لمعصية زائدة على معصية الزنا ولوازمه ، وهي معصية ترك النهى عن المنكر . وكان يقول يجب على مدير الكاس أن ينهى الجلاس . وأقول : إن هذه الشبهة التي سئل عنها الأستاذ الامام قديمة عرضت للناس في الصدر الأول . فقد روى ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وغيرهم من أصحاب المسانيد والترمذي - وصححه - وأبو يعلى والكجى من أصحاب السنن وابن حبان والدارقطني في الافراد والبيهقي في الشعب وغيرهم ، كلهم من طريق قيس بن حازم قال : « قام أبو بكر خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنكم تقرءون هذه الآية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) وإنكم تضعونها غير موضعها . وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم اللّه بعقاب » . ولابن مردويه عن ابن عباس قال « قعد أبو بكر على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم سمّى خليفة رسول اللّه فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم مد يده فوضعها على المجلس الذي كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يجلس عليه من منبره ، ثم قال : سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس يتأول هذه الآية . . . ثم فسرها فكان تفسيره لنا أن قال : نعم ليس من قوم يعمل فيهم بمنكر ويفسد فيهم بقبيح فلم يغيروه ولم ينكروه الا حق على اللّه أن يعمهم بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم : ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال : أن لا أكون سمعته من الحبيب صمّتا » قال الأستاذ الامام : ويشترط بعضهم للوجوب شرطا آخر ، وهو الأمن على النفس . وكان ينبغي أن يقولوا : على الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يدعو